الشيخ محمد رشيد رضا
205
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد قالوا هذا في الدنيا كما حكاه تعالى عنهم في آخر سورة فاطر بقوله ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً * اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) الخ وهذا التأكيد بالقسم مبني على اعتقادهم أنهم أكمل البشر فطرة وأعلاهم استعدادا لكل فضيلة وكان اعتقادا راسخا في عقولهم متمكنا من وجدانهم ومن أدلته ما رواه التاريخ لنا من المفاخرات بين بعض العرب والفرس ، وإذا كانت قبائل العرب كلها تعتقد أن شعبهم أزكى من جميع الأعاجم فطرة وأذكى أفئدة وأعز أنفسا وأكمل عقولا وأفهاما وأفصح السنة وأبلغ بيانا ، فما القول بيش التي دانت لها العرب واعترفت بفضلها على غيرها منهم ؟ ولكن جمهور سادة يش وكبراؤها قد استكبروا بذلك وعتوا عتوا كبيرا ، حتى كذبوا بأعظم ما فضل اللّه به جيلهم وقومهم على جميع الأجيال والأقوام بالحق - وهو الآن - وصدوا عنه وصدفوا عن آياته ، فكان اقسامهم أنهم لو جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم المجاورة لهم حجة عليهم وان صدق على غيرهم من يش ومن سائر العرب الذين اهتدوا بالكتاب فسادوا به جميع الأمم ، وكانوا أئمة لها في دينها ودنياها ما كانوا مهتدين به معتصمين بحبله ، وإذا كان ذلك القسم صادرا عن عقيدة راسخة فلا جرم أنه لو لم يأتهم النذير بهذا الكتاب المنير لاعتذروا في الآخرة بهذا العذر على أن المعاندين منهم ظلوا يطالبون النذير الذي جاءهم به بمثل ما أتى به من قبله من الآيات الكونية وهو - أي الكتاب - أقوى منها دلالة على النبوة لان دلالته علمية عقلية ودلالتها وضعية أو عادية على أنها تشتبه بالسحر والشعوذة وسائر الغرائب الصناعية ، وقد وضحنا الفرق بينهما في غير موضع من تفسير هذه السورة ( الانعام ) واعتبر هنا بقوله تعالى في آخر سورة طه ( وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ؟ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ؟ * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ) . فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ هذا هو الجواب القاطع لكل تعلة وعذر فان الآن بينة عظيمة كاملة من وجوه متعددة فتنكير البينة وما بعدها للتعظيم إذ البينة ما تبين به الحق وهو مبين للحق في العقائد بالحجج والدلائل وفي الفضائل والآداب وأصول الشريعة وأمهات الاحكام بما تصلح